فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي

فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي
فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

في مختبرات علم النفس العصبية، ثمة ظاهرة مثيرة للدهشة تُعرف بتأثير هلاوس الحرمان الحسي، أو تأثير غانزفيلد Ganzfeld Effect، حيث يؤدي تعريض الإنسان لمجال بصري ثابت لفترة من الزمن إلى حالة من الحرمان الحسي، تجبر الدماغ على اختراع صور وهلوسات لا وجود لها لسد الفراغ المعلوماتي.

لكن بعيداً عن أروقة المختبرات، تبدو هذه الظاهرة وكأنها استعارة دقيقة لواقع تعيشه اليوم العديد من المؤسسات وكذلك المديرين. فعندما تغرق الإدارة في رتابة التقارير النمطية، وتتجمد بيئة العمل في قوالب إجرائية لا تتغير، يدخل العقل المؤسسي في حالة من العمى الوظيفي. يبدأ هنا القادة برؤية أنماط نمو وهمية أو تخيّل أزمات غير موجودة، ليس لنقص في الكفاءة، بل لأن الركود الحسّي والمهني جعل بوصلة القرار تفقد قدرتها على تمييز الواقع من الوهم.

الخطورة الحقيقية تكمن في البيئات الإدارية المستقرة بشكل مبالغ فيه، حيث إنها تتحول بمرور الوقت إلى مجال غانزفيلد معنوي، فتصبح لغة الأرقام والتقارير الأسبوعية مكررة لدرجة تفقد معها معناها وقدرتها على التحفيز. وفي هذه الحالة من الحرمان المعلوماتي الفعال، يبدأ الدماغ القيادي في تخليق أنماط إدارية غير موجودة، فقد يرى المدير في تذبذب بسيط وعشوائي في المبيعات بداية كارثة تستوجب تقليص النفقات، أو قد يتوهم في استقرار روتيني نمواً استراتيجياً مستداماً. هذا النوع من الهلوسة المؤسسية ليس سوى رد فعل دفاعي للعقل البشري الذي يكره الفراغ، فإذا لم تمده المؤسسة ببيانات حية، وتحديات متغيرة، ودماء جديدة في بيئة العمل، فإنه سيبدأ برسم خريطة طريق وهمية، يقود بها المنظمة نحو قرارات مبنية على انطباعات بصرية مشوشة بدلاً من الحقائق المهنية.

لا تتوقف تداعيات تأثير غانزفيلد عند حدود المكاتب القيادية، بل تمتد لتصيب الهيكل التنظيمي عبر ما اقتُرح تسميته بالعمى الوظيفي المكتسب، فالموظف الذي يجد نفسه حبيس مهام مكررة تخلو من التحدي أو التغيير البصري والذهني، يبدأ عقله تدريجياً في فصل الاتصال بالواقع المحيط، تماماً كما يحدث لمن يحدق في بياض مطلق. في هذه الحالة، يتحول العمل إلى ضجيج أبيض لا يستثير الانتباه، ما يؤدي إلى تزايد الأخطاء التشغيلية التي تحدث أمام الأعين دون أن يلحظها أحد، ببساطة لأن الدماغ توقف عن معالجة المدخلات المألوفة.

إن الاحتراق الوظيفي الهادئ ليس دائماً نتيجة ضغط العمل، بل هو أحياناً نتيجة لهذا الفراغ المحفز، حيث يفقد الموظف القدرة على التفريق بين الإنجاز الحقيقي والروتين الآلي، وتصبح المؤسسة في نهاية المطاف كياناً يهلوس بالنشاط بينما هو في الحقيقة يغرق في سكون ذهني يعوق أي محاولة للتطوير أو التجديد.

لمواجهة هذا النوع من التآكل الذهني المؤسسي، يتعين على الإدارة الحديثة تبني مفهوم التشويش الإيجابي كأداة لاستعادة الحيوية الذهنية لفرق العمل. تبدأ هذه الاستراتيجية بكسر المجال الموحّد عبر تدوير المهام بشكل استراتيجي، الأمر الذي يفرض على العقل زوايا رؤية جديدة، مروراً بتصميم بيئات عمل هجينة وديناميكية تكسر جمود المشهد البصري اليومي.

علاوة على ذلك، يجب على القادة تشجيع ثقافة الاعتراض البنّاء في الاجتماعات، فإدخال ضجيج فكري يؤدي إلى كسر حالة الإجماع الصامت الرتيب، وهو بمثابة صدمة إيجابية تعيد الدماغ من حالة الهلوسة والشرود إلى حالة التركيز والتحليل. إن المؤسسة التي تتعمد ضخ متغيرات جديدة في أعمالها اليومية هي وحدها التي تضمن بقاء رؤيتها الاستراتيجية واضحة، بعيدة عن ضبابية هلاوس الحرمان الحسي التي تجعل المنظمات ترى السراب وكأنه واحات من الفرص.

إن الاختبار الحقيقي للقائد اليوم، لا يكمن في قدرته على الحفاظ على استقرار مسار العمل فحسب، بل في شجاعته على زعزعة السكون الخادع قبل أن يتحول إلى قيد ذهني، فطاحونة الاقتصاد لا ترحم الكيانات التي استسلمت لراحة المشهد الموحد، تلك التي تكتفي بالنظر إلى ما تألفه حتى تفقد القدرة على رؤية ما يحيط بها فعلياً.

إن الترياق الإداري في هذه الحالة ليس في البحث عن المزيد من البيانات، بل في استعادة دهشة الرؤية الأولى، والتشكيك الدائم في كفاية ما هو مألوف. ففي اللحظة التي يقرر فيها المدير كسر رتابة المشهد، فإنه لا ينقذ فريقه من الهلوسة الوظيفية فحسب، بل يفتح نافذة حقيقية لرؤية الفرص الكامنة في الفوضى، والمخاطر المتخفية في ثياب الاستقرار.

* خبير إداري

[email protected]

شكرا لمتابعينا قراءة خبر فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

السابق مكالمات احتيالية تستهدف عملاء «إي آند الإمارات»
التالى الإمارات أبرز شركاء عُمان التجاريين بصادرات غير نفطية 2025