تحولات بنيوية في عالم الدولار

تحولات بنيوية في عالم الدولار
تحولات بنيوية في عالم الدولار

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

تصاعد الحديث عن «إزالة الدولرة»، في السنوات الأخيرة، حتى بدا وكأن العالم يقف على أعتاب قطيعة مالية مع العملة الأمريكية، غير أن هذا التصور، في جوهره، مبالغ فيه، فما نشهده ليس انهياراً مفاجئاً لهيمنة الدولار، بل انجرافاً بنيوياً بطيئاً في بنية النظام النقدي العالمي، إعادة توازن هادئة في إدارة الاحتياطيات، وبنية التسويات، وتوزيع المحافظ الاستثمارية. الدولار لا يزال في قلب التجارة العالمية، وأسواق رأس المال، وتمويل السيولة، ما يتغير ليس موقعه، بل درجة احتكاره لذلك الموقع.

في صلب هذا التحول تكمن مراجعة مديري الاحتياطيات لما يمكن تسميته «ثالوث العملة» التقليدي: السيولة، والأمان، والخيارات. من حيث السيولة، لا تزال الأصول المقومة بالدولار، لاسيما سندات الخزانة الأمريكية، تتفوق بفارق واسع، لكن عنصر الأمان لم يعد محصناً من التساؤلات في ظل عجز مالي مزمن، وسجالات سياسية متكررة حول سقف الدين، واتساع نطاق العقوبات المالية. أما «الخيارات» فقد تحسنت في أماكن أخرى، فاليورو والين واليوان، إلى جانب الذهب، باتت تمثل احتياطيات مكملة ذات مصداقية أكبر مما كانت عليه قبل عقدين، ونتيجة لذلك، بدأت البنوك المركزية تخفّض انكشافها على الدولار تدريجياً، لا لأن العملة فشلت، بل لأن مخاطر التركّز نفسها أصبحت هاجساً استراتيجياً.

عودة الذهب إلى الواجهة تعكس هذا المنطق، فقد راكمت البنوك المركزية المعدن الأصفر كأصل محايد، أقل عرضة للتجاذبات الجيوسياسية، وفي بيئة تتسم بدعم السيولة من جانب الاحتياطي الفيدرالي، وتوسع مالي مرتفع، وتقلبات دورية في أسواق الأسهم، يبدو الذهب أقل رهاناً ضد الدولار، وأكثر أداة تحوط ضد ضبابية السياسات. صعوده، إذن، ينسجم مع مسار التنويع التدريجي لا مع قطيعة مع الأصول الأمريكية.

تحركات العملات تعزز هذا التفسير، فارتفاع اليوان الصيني أمام الدولار خلال 2025، جاء مدفوعاً بضعف العملة الأمريكية، وتوجيهات السياسة في بكين، وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسهم الصينية، كما أن توسع التسويات التجارية باليوان، التي باتت تقترب من ثلث معاملات السلع عبر الحدود، يُظهر كيف يمكن لتحولات هامشية في فواتير التجارة أن تقلص تدريجياً الهيمنة المعاملاتية للدولار. ومع ذلك، تبقى هذه التحولات مقيدة بعمق أسواق السيولة الخارجية، وباستمرار الاعتماد على الدولار كعملة وسيطة رئيسية في أسواق الصرف.

الأكثر أهمية من أسعار الصرف الثنائية، هو ما يجري في البنية التحتية المالية. تسعى الصين إلى تطوير اليوان الرقمي ليصبح أداة مدرّة للعائد، وتوسّع منصات تسوية عابرة للحدود مثل مشروع «إم بريدج»، في محاولة لبناء قنوات دفع بديلة تتجاوز الشبكات التقليدية المتمركزة حول الدولار. هذه المبادرات لا تزال صغيرة قياساً بحجم التمويل العالمي، لكنها تمثل استثماراً في خيار مستقبلي. ومع مرور الوقت، قد تؤدي القدرة على التسوية خارج نظام «سويفت» أو دون تحويل وسيط إلى الدولار إلى تغيير آليات التجارة، خاصة لدى اقتصادات ناشئة تسعى إلى تقليص مخاطر العقوبات.

التوازي واضح أيضاً في أسواق رأس المال، فقد اتجه المقترضون في دول الخليج إلى تمويلات مقومة باليوان، مع تنامي دور الصين كشريك تجاري. كما أن خطط إصدار سندات خارجية باليوان من جانب شركات طاقة كبرى في الشرق الأوسط تكشف عن أن التنويع يبدأ غالباً على الهامش: تجارب تدريجية في مصادر التمويل، لا تخلياً شاملاً عن الدولار. هنا تتداخل اعتبارات كلفة الاقتراض، والعلاقات التجارية، والتموضع الجيوسياسي في صياغة هذا المسار البطيء.

لا يمكن تجاهل العامل الجيوسياسي، فتجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي قبل نحو أربع سنوات أبرز حجم النفوذ الكامن في النظام الدولاري، ودفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل. كما غذّت التوترات التجارية، والسياسات الجمركية، والجدل حول استدامة المالية الأمريكية، تصورات بأن النظام النقدي يتجه نحو مزيد من التشرذم. ومع ذلك، تبقى قوى معاكسة داعمة للدولار، إذ إن تدفقات رأس المال إلى قطاع التكنولوجيا الأمريكي، خاصة في فترات الحماس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، تعزز الطلب على الأصول الدولارية وتكرّس مركزية العملة في المحافظ العالمية.

الأهم من ذلك، يبدو أن صفة «الملاذ الآمن» للدولار تتطور بدلاً من أن تختفي. صحيح أنه فترات العزوف المعتدل عن المخاطر، قد يوفر الين أو الفرنك السويسري تحوطاً أكثر ثباتاً. لكن في لحظات الضغط الحاد على التمويل، حين تتعطش الأسواق للسيولة، تبقى هيمنة الدولار بلا منازع، فقوته لا تستند إلى المزاج الاستثماري فحسب، بل إلى هندسة النظام المالي العالمي نفسه.

وعليه، فإن إزالة «الدولرة» ليست خرافة، لكنها ليست انقلاباً وشيكاً أيضاً. إنها عملية تراكمية بطيئة، مدفوعة بإدارة عقلانية للمحافظ، وتجريب تكنولوجي، وإعادة تموضع جيوسياسي، ما نشهده هو تآكل تدريجي في احتكار الدولار، لا إزاحته عن المركز. فالعالم يتجه من نظام احتياطي أحادي القطب إلى ترتيب نقدي أكثر تعددية.

* خبير اقتصادي وعالم بيانات وكاتب

(أميركان ثينكر)

شكرا لمتابعينا قراءة خبر تحولات بنيوية في عالم الدولار في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

السابق صقور تُحلق فوق البنوك المركزية
التالى فخ الهلوسة المؤسسية والعمى الوظيفي