هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر
إعداد: بنيمين زرزور
بينما تشهد قطاعات حكومية واقتصادية عديدة تحولات متسارعة، مدفوعة بالرقمنة والإصلاح الإداري وتحديث التشريعات، لا تزال منظومات النقل والمواصلات في كثير من الدول تتخلف عن هذا المسار. وتبرز هنا مفارقة لافتة: حكومات تتباهى بسرعة إنجاز معاملاتها، في مقابل مدن تزداد فيها ساعات الازدحام، ويُهدر فيها وقت المواطنين وإنتاجيتهم على الطرق.
لم تعد مشكلة النقل مسألة خدمات عامة فحسب، بل باتت عائقاً هيكلياً أمام التنمية الشاملة. فكل دقيقة تُهدر في التنقّل اليومي هي خسارة اقتصادية صامتة، وكل نظام نقل غير فعّال يبدّد مكاسب الإصلاح في مجالات أخرى.
تشير دراسات حضرية عالمية إلى أن الازدحام المروري يكبّد المدن الكبرى خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، نتيجة انخفاض الإنتاجية، واستهلاك الوقود، وتراجع جودة الحياة. غير أن الأثر الأعمق يتمثل في البُعد الاجتماعي؛ إذ يفاقم ضعف النقل التفاوت بين من يسكنون قرب مراكز العمل والخدمات، ومن يُدفعون إلى أطراف المدن حيث تقل الفرص وترتفع كلفة الوصول إليها.
أما بيئياً، فإن الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، في غياب بدائل فعالة، يقوّض الالتزامات المناخية، ويجعل سياسات الاستدامة أقرب إلى الشعارات منها إلى الواقع.
أصعب الملفات
يُعدّ إصلاح النقل من أصعب ملفات الدولة؛ وبعكس الخدمات الرقمية، فإنه يعتمد على بنى تحتية ثقيلة، واستثمارات طويلة الأجل، وتنسيق معقّد بين جهات متعددة. وغالباً ما تتقاسم مسؤوليته وزارات وهيئات مختلفة، ما يؤدي إلى تشتت القرار وغياب الرؤية المتكاملة.
كما تلعب العوامل الثقافية دوراً مهماً؛ إذ ترتبط السيارة الخاصة في كثير من المجتمعات بالحرية والمكانة الاجتماعية، ما يجعل أي محاولة لتقييد استخدامها موضع مقاومة شعبية، حتى وإن كانت البدائل أكثر كفاءة.
وتزداد حساسية الملف سياسياً، نظراً لكون مشروعات النقل مرئية ومكلفة، وسريعة التحول إلى مادة للجدل العام في حال التأخير أو تجاوز الميزانيات.
سياسة سنغافورة
وسط هذه التحديات، تبرز سنغافورة كنموذج عالمي ناجح في إعادة تعريف النقل بوصفه أداة استراتيجية للتنمية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تبنّت الدولة رؤية واضحة مفادها أن المساحة المحدودة والموارد المقيدة تفرضان إدارة صارمة للحركة.
لم تكتفِ سنغافورة بتوسيع شبكات المترو والحافلات، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر إدارة الطلب على التنقّل. فُرضت رسوم ازدحام إلكترونية على دخول السيارات إلى المناطق المزدحمة، وجرى ربط أسعار امتلاك المركبات بتكلفتها الحقيقية على المدينة. في المقابل، استثمرت الحكومة بكثافة في نقل عام عالي الاعتمادية، موحّد الدفع، ومتصل رقمياً.
النتيجة كانت لافتة: تنقّل أسرع، وزمن رحلات يمكن التنبؤ به، وانخفاض ملموس في الاعتماد على السيارات الخاصة، رغم ارتفاع مستويات الدخل. والأهم أن النقل لم يُنظر إليه كمشروع منفصل، بل كجزء من تخطيط عمراني يقرّب السكن من العمل، ويجعل المشي والنقل العام الخيار الطبيعي للمواطن.
وتمثل سنغافورة واحدة من أبرز قصص النجاح العالمية في إدارة التنقّل الحضري. ففي مدينة لا تتجاوز مساحتها 730 كيلومتراً مربعاً ويقطنها أكثر من 5.9 ملايين نسمة، اختارت الدولة منذ عقود نهجاً قائماً على إدارة الطلب لا ملاحقة الازدحام.
وهناك أكثر من 65% من الرحلات اليومية تُنفَّذ عبر النقل العام. وقد تراجع متوسط زمن التنقّل اليومي إلى أقل من 45 دقيقة، مقارنة بأكثر من 70 دقيقة في مدن كبرى ذات دخل مماثل. وقد أسهم نظام التسعير المروري الإلكتروني في خفض الازدحام في المناطق المركزية بنسبة تقارب 20–25%.
فكل دولار يُستثمر في النقل العام يولد عائداً اقتصادياً يُقدّر بما بين 3 و5 دولارات عبر رفع الإنتاجية وتقليل الكلف الصحية والبيئية. هذه النتائج لم تكن ثمرة بنية تحتية فقط، بل نتاج سياسة واضحة تربط النقل بالتخطيط العمراني، وتحدّ من التوسع الأفقي، وتقرّب السكن من فرص العمل.
النماذج الناجحة
تشترك التجارب العالمية الرائدة في النقل في عدد من المبادئ الأساسية هي:
أولاً: التعامل مع النقل كنظام متكامل. لا تُخطط السكك الحديدية والحافلات والطرق والدراجات بوصفها مشاريع مستقلة، بل كمنظومة واحدة تخدم هدفاً واضحاً، هو تقليل الزمن وتحسين تجربة المستخدم.
ثانياً: جعل الوقت معيار النجاح الأساسي. لا تُقاس الإنجازات بعدد الكيلومترات المنفذة، بل بالدقائق التي جرى توفيرها في حياة الناس اليومية.
ثالثاً: إدارة الطلب بدل ملاحقته. بدلاً من توسيع الطرق بلا نهاية، تُستخدم أدوات التسعير والتنظيم لتغيير السلوك المروري، مع إعادة استثمار العائدات في البدائل العامة.
رابعاً: الدمج الرقمي. التقنيات الذكية والبيانات الفورية تحوّل النقل من خدمة جامدة إلى نظام مرن، قادر على التكيّف مع أنماط الاستخدام المتغيرة.
وتُظهر التجارب الحديثة أن أسرع وسيلة للتنقّل قد تكون تقليص الحاجة إليه. فمدن مثل باريس وبرشلونة تبنّت مفهوم «المدينة ذات الخمس عشرة دقيقة»، حيث يمكن الوصول إلى معظم الخدمات الأساسية خلال مسافة قصيرة سيراً أو عبر النقل العام.
هذا التكامل بين التخطيط العمراني والنقل يخفف الضغط على الشبكات، ويعيد تعريف جودة الحياة الحضرية، من خلال القرب لا السرعة وحدها.
الدول النامية
بالنسبة للدول التي تشهد نمواً متسارعاً، يمثل النقل خياراً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل. فإما أن يُبنى على أسس متكاملة منذ البداية، أو يتحول لاحقاً إلى عبء مكلف يصعب إصلاحه.
الدرس الأهم هو أن النقل ليس قطاعاً خدمياً هامشياً، بل ركيزة من ركائز التنافسية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، والاستثمار فيه حين يقترن بحوكمة واضحة ورؤية طويلة الأمد، يحقق عوائد تفوق بكثير كلفته الأولية.
كما أن الفجوة بين سرعة التطور الحكومي وبطء منظومات النقل ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات سياسية ومؤسسية قابلة للتغيير. وتُظهر قصص النجاح العالمية أن الجرأة في اتخاذ القرار، والالتزام طويل الأمد، كفيلان بتحويل التنقّل من مشكلة مزمنة إلى قصة نجاح وطنية.
ففي عالم تُقاس فيه القوة بالزمن والكفاءة، لن تكتمل أي نهضة حقيقية ما لم تتحرك المدن بالسرعة نفسها التي تتحرك بها سياساتها.
الحلقة الأضعف
تكشف عدة أرقام الكلفة وتجربة ناجحة تعيد تعريف التنقّل. ووفق تقديرات مؤسسات حضرية دولية، يخسر الاقتصاد العالمي سنوياً ما بين 2 و4% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الازدحام المروري وضعف كفاءة النقل في المدن الكبرى. وفي بعض العواصم، يقضي الموظف ما معدله 60 إلى 90 دقيقة يومياً في التنقّل من وإلى العمل، أي ما يعادل أكثر من 250 ساعة سنوياً تُهدر خارج دائرة الإنتاج.
وتُظهر البيانات أن المدن ذات شبكات النقل غير المتكاملة تسجل مستويات أقل من الإنتاجية، حتى مع توافر رأس المال البشري والتقني؛ فزيادة زمن التنقّل بنسبة 10% تؤدي، وفق دراسات اقتصادية حضرية، إلى تراجع الإنتاجية الفردية بنسبة تتراوح بين 1 و2 في المئة.
اجتماعياً، يفاقم ضعف النقل التفاوت المكاني؛ ففي مدن كبرى، يعيش ما يقرب من 30 إلى 40 في المئة من السكان على أطراف عمرانية بعيدة عن مراكز العمل، حيث ترتفع كلفة التنقّل لتصل أحياناً إلى 15–20 في المئة من دخل الأسرة، مقارنة بأقل من 5 في المئة في المناطق المركزية ذات البنية التحتية الجيدة.
الثمن الأكبر
على الصعيد البيئي، يُعدّ قطاع النقل من أكبر مصادر الانبعاثات في المدن. وتشير بيانات الطاقة إلى أن النقل البري مسؤول عن نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة عالمياً. وفي المدن التي يعتمد سكانها على السيارات الخاصة بنسبة تتجاوز 70% من الرحلات اليومية، تصبح أهداف الحياد الكربوني بعيدة المنال.
ولا تقتصر الأضرار على المناخ فحسب، بل تمتد إلى الصحة العامة، حيث ترتبط مستويات تلوث الهواء المرتفعة بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب، ما يزيد الضغط على أنظمة الرعاية الصحية.
وتبيّن التجارب الدولية أن إصلاح النقل يصطدم بثلاثة عوائق رئيسية: هي تعقيد الحوكمة؛ حيث تتداخل الصلاحيات بين جهات متعددة، ما يؤدي إلى قرارات مجزأة ومشروعات غير منسجمة.
أما ارتفاع الكلفة الرأسمالية فناتج عن أن مشاريع النقل تتطلب استثمارات طويلة الأجل، غالباً ما تتجاوز دورات التخطيط السياسي.
وهناك الحساسية المجتمعية؛ حيث تواجه أي قيود على استخدام السيارات أو إعادة توزيع المساحات العامة مقاومة، ما لم تُقدَّم بدائل موثوقة.
كما تؤكد البيانات أن النقل ليس بند إنفاق، بل استثمار استراتيجي. فالدول التي تضع أهدافاً واضحة لخفض زمن التنقّل، ورفع حصة النقل العام، وربط التخطيط العمراني بالحركة، تحقق مكاسب مباشرة في النمو الاقتصادي وجودة الحياة.
تشير دراسات حضرية عالمية إلى أن الازدحام المروري يكبّد المدن الكبرى خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، نتيجة انخفاض الإنتاجية، واستهلاك الوقود، وتراجع جودة الحياة. غير أن الأثر الأعمق يتمثل في البُعد الاجتماعي؛ إذ يفاقم ضعف النقل التفاوت بين من يسكنون قرب مراكز العمل والخدمات، ومن يُدفعون إلى أطراف المدن حيث تقل الفرص وترتفع كلفة الوصول إليها.
أما بيئياً، فإن الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، في غياب بدائل فعالة، يقوّض الالتزامات المناخية، ويجعل سياسات الاستدامة أقرب إلى الشعارات منها إلى الواقع.
أصعب الملفات
يُعدّ إصلاح النقل من أصعب ملفات الدولة؛ وبعكس الخدمات الرقمية، فإنه يعتمد على بنى تحتية ثقيلة، واستثمارات طويلة الأجل، وتنسيق معقّد بين جهات متعددة. وغالباً ما تتقاسم مسؤوليته وزارات وهيئات مختلفة، ما يؤدي إلى تشتت القرار وغياب الرؤية المتكاملة.
كما تلعب العوامل الثقافية دوراً مهماً؛ إذ ترتبط السيارة الخاصة في كثير من المجتمعات بالحرية والمكانة الاجتماعية، ما يجعل أي محاولة لتقييد استخدامها موضع مقاومة شعبية، حتى وإن كانت البدائل أكثر كفاءة.
وتزداد حساسية الملف سياسياً، نظراً لكون مشروعات النقل مرئية ومكلفة، وسريعة التحول إلى مادة للجدل العام في حال التأخير أو تجاوز الميزانيات.
سياسة سنغافورة
وسط هذه التحديات، تبرز سنغافورة كنموذج عالمي ناجح في إعادة تعريف النقل بوصفه أداة استراتيجية للتنمية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تبنّت الدولة رؤية واضحة مفادها أن المساحة المحدودة والموارد المقيدة تفرضان إدارة صارمة للحركة.
لم تكتفِ سنغافورة بتوسيع شبكات المترو والحافلات، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر إدارة الطلب على التنقّل. فُرضت رسوم ازدحام إلكترونية على دخول السيارات إلى المناطق المزدحمة، وجرى ربط أسعار امتلاك المركبات بتكلفتها الحقيقية على المدينة. في المقابل، استثمرت الحكومة بكثافة في نقل عام عالي الاعتمادية، موحّد الدفع، ومتصل رقمياً.
النتيجة كانت لافتة: تنقّل أسرع، وزمن رحلات يمكن التنبؤ به، وانخفاض ملموس في الاعتماد على السيارات الخاصة، رغم ارتفاع مستويات الدخل. والأهم أن النقل لم يُنظر إليه كمشروع منفصل، بل كجزء من تخطيط عمراني يقرّب السكن من العمل، ويجعل المشي والنقل العام الخيار الطبيعي للمواطن.
وتمثل سنغافورة واحدة من أبرز قصص النجاح العالمية في إدارة التنقّل الحضري. ففي مدينة لا تتجاوز مساحتها 730 كيلومتراً مربعاً ويقطنها أكثر من 5.9 ملايين نسمة، اختارت الدولة منذ عقود نهجاً قائماً على إدارة الطلب لا ملاحقة الازدحام.
وهناك أكثر من 65% من الرحلات اليومية تُنفَّذ عبر النقل العام. وقد تراجع متوسط زمن التنقّل اليومي إلى أقل من 45 دقيقة، مقارنة بأكثر من 70 دقيقة في مدن كبرى ذات دخل مماثل. وقد أسهم نظام التسعير المروري الإلكتروني في خفض الازدحام في المناطق المركزية بنسبة تقارب 20–25%.
فكل دولار يُستثمر في النقل العام يولد عائداً اقتصادياً يُقدّر بما بين 3 و5 دولارات عبر رفع الإنتاجية وتقليل الكلف الصحية والبيئية. هذه النتائج لم تكن ثمرة بنية تحتية فقط، بل نتاج سياسة واضحة تربط النقل بالتخطيط العمراني، وتحدّ من التوسع الأفقي، وتقرّب السكن من فرص العمل.
النماذج الناجحة
تشترك التجارب العالمية الرائدة في النقل في عدد من المبادئ الأساسية هي:
أولاً: التعامل مع النقل كنظام متكامل. لا تُخطط السكك الحديدية والحافلات والطرق والدراجات بوصفها مشاريع مستقلة، بل كمنظومة واحدة تخدم هدفاً واضحاً، هو تقليل الزمن وتحسين تجربة المستخدم.
ثانياً: جعل الوقت معيار النجاح الأساسي. لا تُقاس الإنجازات بعدد الكيلومترات المنفذة، بل بالدقائق التي جرى توفيرها في حياة الناس اليومية.
ثالثاً: إدارة الطلب بدل ملاحقته. بدلاً من توسيع الطرق بلا نهاية، تُستخدم أدوات التسعير والتنظيم لتغيير السلوك المروري، مع إعادة استثمار العائدات في البدائل العامة.
رابعاً: الدمج الرقمي. التقنيات الذكية والبيانات الفورية تحوّل النقل من خدمة جامدة إلى نظام مرن، قادر على التكيّف مع أنماط الاستخدام المتغيرة.
وتُظهر التجارب الحديثة أن أسرع وسيلة للتنقّل قد تكون تقليص الحاجة إليه. فمدن مثل باريس وبرشلونة تبنّت مفهوم «المدينة ذات الخمس عشرة دقيقة»، حيث يمكن الوصول إلى معظم الخدمات الأساسية خلال مسافة قصيرة سيراً أو عبر النقل العام.
هذا التكامل بين التخطيط العمراني والنقل يخفف الضغط على الشبكات، ويعيد تعريف جودة الحياة الحضرية، من خلال القرب لا السرعة وحدها.
الدول النامية
بالنسبة للدول التي تشهد نمواً متسارعاً، يمثل النقل خياراً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل. فإما أن يُبنى على أسس متكاملة منذ البداية، أو يتحول لاحقاً إلى عبء مكلف يصعب إصلاحه.
الدرس الأهم هو أن النقل ليس قطاعاً خدمياً هامشياً، بل ركيزة من ركائز التنافسية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، والاستثمار فيه حين يقترن بحوكمة واضحة ورؤية طويلة الأمد، يحقق عوائد تفوق بكثير كلفته الأولية.
كما أن الفجوة بين سرعة التطور الحكومي وبطء منظومات النقل ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات سياسية ومؤسسية قابلة للتغيير. وتُظهر قصص النجاح العالمية أن الجرأة في اتخاذ القرار، والالتزام طويل الأمد، كفيلان بتحويل التنقّل من مشكلة مزمنة إلى قصة نجاح وطنية.
ففي عالم تُقاس فيه القوة بالزمن والكفاءة، لن تكتمل أي نهضة حقيقية ما لم تتحرك المدن بالسرعة نفسها التي تتحرك بها سياساتها.
الحلقة الأضعف
تكشف عدة أرقام الكلفة وتجربة ناجحة تعيد تعريف التنقّل. ووفق تقديرات مؤسسات حضرية دولية، يخسر الاقتصاد العالمي سنوياً ما بين 2 و4% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الازدحام المروري وضعف كفاءة النقل في المدن الكبرى. وفي بعض العواصم، يقضي الموظف ما معدله 60 إلى 90 دقيقة يومياً في التنقّل من وإلى العمل، أي ما يعادل أكثر من 250 ساعة سنوياً تُهدر خارج دائرة الإنتاج.
وتُظهر البيانات أن المدن ذات شبكات النقل غير المتكاملة تسجل مستويات أقل من الإنتاجية، حتى مع توافر رأس المال البشري والتقني؛ فزيادة زمن التنقّل بنسبة 10% تؤدي، وفق دراسات اقتصادية حضرية، إلى تراجع الإنتاجية الفردية بنسبة تتراوح بين 1 و2 في المئة.
اجتماعياً، يفاقم ضعف النقل التفاوت المكاني؛ ففي مدن كبرى، يعيش ما يقرب من 30 إلى 40 في المئة من السكان على أطراف عمرانية بعيدة عن مراكز العمل، حيث ترتفع كلفة التنقّل لتصل أحياناً إلى 15–20 في المئة من دخل الأسرة، مقارنة بأقل من 5 في المئة في المناطق المركزية ذات البنية التحتية الجيدة.
الثمن الأكبر
على الصعيد البيئي، يُعدّ قطاع النقل من أكبر مصادر الانبعاثات في المدن. وتشير بيانات الطاقة إلى أن النقل البري مسؤول عن نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة عالمياً. وفي المدن التي يعتمد سكانها على السيارات الخاصة بنسبة تتجاوز 70% من الرحلات اليومية، تصبح أهداف الحياد الكربوني بعيدة المنال.
ولا تقتصر الأضرار على المناخ فحسب، بل تمتد إلى الصحة العامة، حيث ترتبط مستويات تلوث الهواء المرتفعة بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب، ما يزيد الضغط على أنظمة الرعاية الصحية.
وتبيّن التجارب الدولية أن إصلاح النقل يصطدم بثلاثة عوائق رئيسية: هي تعقيد الحوكمة؛ حيث تتداخل الصلاحيات بين جهات متعددة، ما يؤدي إلى قرارات مجزأة ومشروعات غير منسجمة.
أما ارتفاع الكلفة الرأسمالية فناتج عن أن مشاريع النقل تتطلب استثمارات طويلة الأجل، غالباً ما تتجاوز دورات التخطيط السياسي.
وهناك الحساسية المجتمعية؛ حيث تواجه أي قيود على استخدام السيارات أو إعادة توزيع المساحات العامة مقاومة، ما لم تُقدَّم بدائل موثوقة.
كما تؤكد البيانات أن النقل ليس بند إنفاق، بل استثمار استراتيجي. فالدول التي تضع أهدافاً واضحة لخفض زمن التنقّل، ورفع حصة النقل العام، وربط التخطيط العمراني بالحركة، تحقق مكاسب مباشرة في النمو الاقتصادي وجودة الحياة.
شكرا لمتابعينا قراءة خبر الامارات الان | النقل.. ركيزة التنافسيةالاقتصادية والاستقرار الاجتماعي | عيون الجزيرة الامارات في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.
*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر




