هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر
في العادة، تُشعل الحروب أسعار الذهب، لكن في الأزمة الحالية التي تفجّرت مع الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، حدث العكس تماماً، فبدلاً من أن يتجه المستثمرون إلى الملاذات الآمنة، شهدت المعادن الثمينة واحدة من أعنف موجات التراجع، منذ أكثر من عقد، في مفارقة تعكس أن الأسواق لا تتحرك، وفق الحدث المجرد، بل وفق توقيته، وتموضع المستثمرين قبله، وهيكل السيولة العالمية لحظة وقوعه، هذه المفارقة هي المفتاح لفهم ما جرى، وما قد يجري لاحقاً.
من ذروة إلى هبوط حاد
قبل اندلاع الحرب، كان الذهب يعيش واحدة من أقوى موجاته الصعودية التاريخية، إذ قفز خلال عام 2025 بنحو 66%، مدفوعاً بمزيج من الطلب المكثف من البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية الممتدة من أزمة روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى تدفقات استثمارية ضخمة من صناديق التحوط والمستثمرين الأفراد، الذين انجذبوا إلى الزخم المتصاعد.
غير أن هذا الصعود لم يكن مجرد اتجاه صحي تدريجي، بل تحوّل إلى ما يشبه «الاندفاع الجماعي» نحو المعدن الأصفر النفيس، حيث تزايدت المراكز الاستثمارية قصيرة الأجل، ما جعل السوق هشّاً أمام أي صدمة، حتى لو كان من المفترض، نظرياً، أن تدعم هذه الصدمة الأسعار، مثل الحرب.
ومع اندلاع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، بدأ هذا البناء المتراكم بالتفكك تدريجياً، لتتحوّل مراكز المضاربة إلى عمليات بيع واسعة، بلغت ذروتها، خلال الأسبوع الأخير، حين خسر الذهب نحو 11.2% من قيمته، في أسوأ أداء أسبوعي منذ عام 2011، متراجعاً إلى حدود 4492 دولاراً للأونصة. كما يتجه لتسجيل أسوأ أداء شهري، منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، مع انخفاض المعدن بنحو 12% حتى الآن خلال ما يقارب الشهر.
أما الفضة، فقد عكست هشاشة أكبر، إذ تراجعت بأكثر من 16%، خلال ثلاثة أسابيع متتالية، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ ديسمبر/كانون الأول، عند 67.8 دولاراً للأونصة، وبأكثر من 17.6%، خلال شهر، لتستكمل نطاق أدائها السلبي، منذ بداية العام، رغم المكاسب الاستثنائية التي حققتها في 2025.
سوق مشبع قبل الحرب
لفهم هذا السلوك غير التقليدي، لا بد من تجاوز الفرضية البسيطة التي تربط الحرب تلقائياً بارتفاع الذهب، والانتقال إلى تحليل أكثر دقة يركز على تموضع السوق، فالحقيقة أن المستثمرين كانوا قد استبقوا المخاطر الجيوسياسية، قبل اندلاع الحرب، مدفوعين بتوقعات استمرار التوترات العالمية، فامتلأت المحافظ الاستثمارية بالذهب عند مستويات مرتفعة، وبالتالي عندما وقع الحدث فعلياً، لم يجد السوق مشترين جدد يدفعون الأسعار إلى الأعلى، بل على العكس، بدأ المستثمرون القدامى الذين راكموا مراكزهم سابقاً في التخلي عنها وجني الأرباح.
بهذا المعنى، لم تكن الحرب عامل دعم إضافياً، بل جاءت في أسوأ توقيت ممكن لدعم الذهب، لأنها صادفت لحظة تشبع، ما أدى إلى تفكيك واسع لصفقات الزخم، التي بُنيت خلال الأشهر السابقة، وهو ما يفسر حدة وسرعة التراجع.
الدولار والسندات والنفط
لا يمكن تفسير ما حدث بمعزل عن بقية السوق، الذي شهد تصحيحاً متزامناً وإعادة تسعير شاملة، حيث تحوّل المستثمرون إلى أصول أكثر سيولة وعائداً، في مقدمتها الدولار وسندات الخزانة، فمع تصاعد الحرب، ارتفعت عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.39%، وتعزز الدولار كملاذ أكثر سيولة، بالتالي ازدادت كلفة الاحتفاظ بالذهب من منظور «الفرصة البديلة»، بوصفه أصلاً لا يدر عائداً، وهو ما جعل المستثمرين يعيدون توزيع محافظهم لصالح أدوات مالية، توفر دخلاً ثابتاً في بيئة تتسم بارتفاع الفائدة.
في الوقت ذاته، أشعل ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 112 دولاراً للبرميل المخاوف التضخمية من جديد، لكن هذا العامل لم يصب اليوم في صالح الذهب، كما السابق، بل عزز التوقعات باستمرار السياسات النقدية المتشددة، أي إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما شكل ضغطاً إضافياً على الذهب والفضة.
وفي موازاة ذلك، دخلت الأسواق الأمريكية مرحلة تصحيح واضحة، مع اقتراب المؤشرات الرئيسية من فقدان 10% من قيمتها، وهو ما دفع المستثمرين إلى تسييل مراكزهم، عبر مختلف الأصول، وفي مقدمتها الذهب، ليس بدافع فقدان الثقة فيه، بل لتوفير السيولة وإدارة المخاطر في بيئة شديدة التقلب.
الفضة انهارت أكثر من الذهب
إذا كان الذهب قد تراجع تحت ضغط إعادة التموضع المالي، فإن الفضة عكست ديناميكيات أكثر تعقيداً، بحكم طبيعتها المزدوجة كمعدن ثمين وصناعي في آن واحد، فمع تصاعد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي نتيجة الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، تراجعت التوقعات للطلب الصناعي على الفضة، ما جعلها أكثر حساسية للضغوط الاقتصادية مقارنة بالذهب، كما أن الارتفاعات الحادة التي سجلتها في 2025، وتجاوزت 135%، جعلتها أكثر عرضة لانفجار فقاعة المضاربة، خاصة مع خروج المستثمرين قصيري الأجل من السوق.
وبالتالي، فإن تراجع الفضة لم يكن مجرد امتداد لهبوط الذهب، بل نتيجة مزيج من العوامل الاقتصادية والمالية، التي ضاعفت من حدة خسائرها.
أموال ساخنة واستراتيجية
رغم حدة التراجعات، تميل المؤسسات المالية الكبرى إلى تفسير ما يحدث بوصفه عملية إعادة توازن، لا تحولاً جذرياً في الاتجاه، فالتقديرات تشير إلى أن الذهب لا يتحرك وفق ردود الفعل اليومية على الأحداث، بل وفق اتجاهات طويلة الأجل ترتبط بالسياسات النقدية، وسلوك البنوك المركزية، فضلاً عن هيكل النظام المالي العالمي.
كما أن التدفقات الخارجة من السوق في المرحلة الحالية تُعزى في معظمها إلى المستثمرين المضاربين، في حين لا تزال الجهات الاستراتيجية، وعلى رأسها البنوك المركزية، تحتفظ بمراكزها، بل وتواصل الشراء في بعض الحالات.
وهذا التمايز بين «الأموال الساخنة»، أي التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل التي تدخل الأسواق بسرعة بحثاً عن أرباح سريعة، وتخرج منها بالسرعة نفسها عند تغير الظروف، و«الأموال الاستراتيجية» يمثل عنصراً حاسماً في تقييم ما إذا كان التراجع الحالي مؤقتاً أم بداية انعكاس طويل الأجل.
إعادة ضبط لا نهاية دورة
المعطيات الحالية تشير إلى أن الذهب لا يخرج من دورة صعوده، بل يمر بمرحلة إعادة ضبط بعد موجة ارتفاع استثنائية، فاستمرار مشتريات البنوك المركزية يعكس رغبة متزايدة في تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار، في حين يبقى مسار أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأسعار على المدى المتوسط.
وفي هذا السياق، فإن أي إشارة إلى بدء خفض الفائدة الأمريكية، قد تعيد الزخم إلى الذهب بسرعة، بينما سيؤدي استمرار التشديد النقدي إلى إبقاء الأسعار تحت الضغط، أما الحرب نفسها، فرغم أهميتها، فإن تأثيرها سيبقى غير مباشر، عبر انعكاسها على التضخم والسياسات النقدية، وليس كعامل مستقل.
ماذا يفعل المستثمر؟
في ظل هذه البيئة المعقدة، لا يمكن تقديم توصية واحدة تناسب جميع المستثمرين، لكن يمكن القول إن التراجع الحالي يفتح المجال أمام بناء مراكز تدريجية على المدى الطويل، خاصة مع بقاء العوامل الهيكلية الداعمة للذهب قائمة.
في المقابل، قد يكون الانتظار خياراً مناسباً للبعض الأكثر تحفظاً، إلى حين اتضاح اتجاه الفائدة واستقرار الأسواق، فيما يبدو أن البيع عند المستويات الحالية يحمل مخاطر تثبيت الخسائر، بعد موجة هبوط حادة قد تكون اقتربت من نهايتها.
ما حدث في سوق الذهب والفضة، خلال الأسابيع الأخيرة، لا يعكس فشل هذه الأصول كملاذات آمنة، بل يعكس حقيقة أكثر تعقيداً، وهي أن الأسواق تتحرك بناءً على ما كان متوقعاً مسبقاً، لا على الحدث ذاته، فالحرب لم تكن صدمة غير متوقعة بالكامل، بل جاءت في لحظة كان فيها المستثمرون قد تموضعوا بالفعل تحسباً لها، ما جعل رد الفعل الطبيعي هو جني الأرباح، لا البحث عن التحوط.
شكرا لمتابعينا قراءة خبر الذهب خالف رهان الحرب هبوطاً.. كيف خذلت الأزمة الملاذات الآمنة؟ في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري موقع الخليج الاماراتي ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي موقع الخليج الاماراتي مع اطيب التحيات.
*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر




