Aljazeera Eyes

أخبار سلطنة عمان | لماذا يمشي سالم على أطراف أصابعه؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

كتب ـ عاصم الشيدي -

أكثر لحظة تشعر فيها أم سالم بالضعف هي اللحظة التي تفكر فيها بمستقبل ابنها أو تكون وجها لوجه أمام أسئلته البريئة حول مستقبله كما يستدعيه حسه الطفول. وكأن عليها أن تعيش الألم المركب وهي تنظر إلى ابنها عندما يحاول الوقوف "متسلقا" فخذيه، أو عندما يتعثر عند أصغر حاجز أمامه.. بنفس الحجم الذي عليها أن تتألم فيه عندما يبدأ في التفكير والحديث ومواجهتها بالأسئلة.

وسالم ذو السنوات السبع الذي يحلم أن يصبح طيارا عندما يكبر تحول إلى حديث المجتمع في عُمان في الأيام الماضية، مصاب بمرض نادر جدا اسمه "ضمور دوشين العضلي". يحوّل المرض عضلات الطفل المصاب إلى حالة ضمور شبه كاملة، فلا يستطيع المشي، وإن كان قد بدأ في المشي، كما هو الأمر عند سالم، فإن ضمور العضلات يضعف قدرته الصحيحة على المشي مع الوقت. ومن الأعراض التي تظهر على سالم أيضا عرض "علامة جاور" حيث يقوم المريض "بتسلق" الفخذين باليدين عندما يريد الوقوف! وأعراض هذا المرض كثيرة، تتجاوز العضلات إلى القلب والتنفس.

ولا يتفق الأطباء حتى الآن على علاج يشفي المرض بشكل كامل. لكن ثمة علاج جيني ما زال في طورح الموافقات في أكثر من هيئة عالمية للدواء يمكن أن يساعد في إيقاف تطور الحالة، وأثبت في أمريكا نتائج جيدة حتى الآن، وسبق أن جرب مع طفل عماني قبل عدة سنوات ويبدو أنه أعطى نتائج واعدة.. لكنه باهظ الثمن، وتتجاوز قيمته مليون ريال عماني. ويتكاتف المجتمع في عُمان الآن في حملة مجتمعية لجمع هذا المبلغ من أجل أن يرى الابتسامة وقد عادت إلى وجه سالم وأسرته وهو يمارس طفولته كما بقية أقرانه.

"عمان" التقت بأم الطفل في حوار لفهم حقيقة المرض وأعراضه، وكيف يمكن أن يؤثر ضمور عضلات طفل في تغيير كامل على حياة من حوله.

تقول أم سالم إن ابنها ما زال يبتسم ويمشي ويلتفت لكنّ ذلك يحدث على أطراف أصابعه ولمدة قصيرة جدا، وإذا أطال في محاولة المشي فإنه يشعر بالتعب ويجلس فورا. لكن لهذه القدرة الحالية ثمنها أيضا.. حيث يخضع سالم لسلسلة أسبوعية مستمرة من جلسات العلاج الطبيعي من أجل أن يبقى قادرا على بعض المشي ولو في الحد الأدنى.

تستعيد أم سالم أول تفصيل بسيط لاحظته على ابنها ولكنها لم تفهمه في ذلك الوقت.. تقول وهي تغالب دمعه في عينها كان ذلك عندما بدأ يحاول الوقوف من جلسته على الأرض.. كان يفعل ذلك وهو يمسك بركبته وكأنه رجل طاعن في السن. ثم تطور الأمر إلى حدوث تصلب في عضلة الساق والمشي على أطراف الأصابع في محاولة لعمل توازن لجسمه. لم يفكر أحد في الأسرة أن ثمة مرض يتشكل في جسم سالم، أو أن حياته قد تتغير رأسا على عقب.

لم تكن أم سالم لتحمّل الأمر في بدايته أكبر مما يحتمل. لكن عندما سمعت الطبيب يقول عبارة "Gower sign" شعرت بالصدمة الأولى التي جعلت كل المشاهد تتداعى أمامها في ثواني بسيطة.. "Gower sign" !

تقول: ما زالت الكلمة كما نطقها الطبيب عالقة في وعيّ ولا أستطيع فكاكا منها؛ فبسبب عملي في المستشفى مرت عليّ بعض هذه المصطلحات ولذلك عرفت معناها فورا؛ إنها تعني أعراض مرض الدوشين! وكنت أسمع الأطباء يقولن وهم يعاينون حالة سالم: "لا نستطيع التأكيد إلا بعد إجراء الفحوصات الجينية".

منذ تلك اللحظة بدأت أم سالم تعيش حياة أخرى، وتفكر تفكيرا آخر، تنظر في وجه ابنها فتستحضر أسئلة كثيرة، وتراه وهو يحاول الوقوف فتحبس دمعة وحسرة. لم يعد فشل ابنها في صعود الدرجة الثالثة أو تسلق فخذيه عند محاولة الوقوف مجرد "كسل" من طفل كما كانت تمني نفسه في البداية، أصبح الأمر متعلق بمرض جيني نادر، وبمصطلحات طبية تطن في أذنيها كلما سمعت حديث الأطباء أو كلما كانت مضطرة لتشرح الأمر لأحد من أقاربها.

مضى أكثر من عام وما زال سالم يمشي على أطراف أصابعه وما زالت ترقبه بعينها وبقلبها. يخفف العلاج الطبيعي مسار ذهاب الحالة نحو التدهور ولكن عبثا يحاول؛ فالأمر متعلق بالجانب الجيني الذي يجعل العلاج الطبيعي مجرد أداة لتخفيف الأعراض لا أكثر.. أما عضلات سالم الذي ينتظم الآن في الصف الأول بمدرسة شيدة لم تعد تنمو وبالتالي لا يستطيع مواصلة المشي إلا لمسافة قصيرة جدا يفرضها إصرار الطفولة ومشاهدة ما يفعله الأطفال في مثل عمره، لكن ثمن ذلك الكثير من التعب والألم. وسالم طفل يحمل أحلام غيره من الأطفال، يريد أن يلعب ويجري ويركض ويتسلق ما يجده أمامه.

تقول أم سالم: حاولنا أن نيسير الأمر له قدر الإمكان عبر إجراء تعديلات في البيت تتناسب ومتطلباته. أما في المدرسة فإن الجميع صارت متعاون معه إلى حد لم أكن أتوقعه. المعلمات يعاملنه وكأنه ابنهنن فلا أشعر بالقلق عندما يكون في المدرسة وكأنني إلى جواره.

يوم الخميس بالنسبة لسالم يوم مختلف.. يقطع المسافة من قريته في ولاية صحم إلى مركز الأمل في المستشفى العسكري بالخوض لإجراء حصة العلاج الطبيعي. تقول الأم إن المركز متعاون جدا وهم يعرفون حالته جيدا الآن رغم حساسية الحالة وما تتطلبه من تعامل حذر جدا.

تحمل أم سالم قدرا كبيرا من الأمل والصبر؛ لكنها رغم ذلك تشعر في لحظة من اللحظات بالعجر أيضا. تقول "أكثر وقت أشعر فيه بالعجز عندما أحمله في الليلة الواحدة أكثر من خمس مرات لدورة المياه". توضح أم سالم بالقول: الدواء الذي يأخذه من المستشفى السلطاني لتأخير ظهور أعراض المرض شديد الادرار، الأمر الذي يحتاج فيه للذهاب لدورة المياه كل ساعة تقريبا. وهذا متعب جدا خاصة أنه يلبس في الليل دعامة حتى لا يتغير شكل رجله بسبب الشد والمشي على أطراف الأصابع.

يحب سالم الحياة، ورغم ما به من مرض إلا أنه صار أقرب إلى من حوله من أطفال، وباتوا يساعدونه كثيرا ويقدمون له الرعاية في المدرسة.. هو أيضا بدأ يفهم بعضا من مرضه، ليس على مستوى التشخيص ومسار المستقبل ولكن على مستوى ما يستطيع وما لا يستطيع. فرض عليه الألم الذي يصاحب أي حركة أن يتحرك على مهل ويمشي بحذر إلى قدر لا يتألم فيه.

تعود أم سالم مرة أخرى للحديث عن بدايات اكتشاف المرض. تقول إن التشخيص السريري لم يستغرق وقتا طويلا، كان فحص إنزيم العضلات يثبت مباشرة أن الطفل مصاب بمرض في عضلاته. لكن الأمر كان يحتاج إلى تأكيد عبر إجراء الفحص الجيني، وهو فحص أخذ قرابة 9 شهور. واحتاج فحص الكروموسومات أن يرسل إلى خارج البلاد لمزيد من التأكيد الأمر الذي أخذ 6 أشهر إضافية. تأكد أمر الإصابة في إبريل من عام 2025.. كانت الأسرة قد تهيأت للأمر وتقبلت قدر الله في طفلها.

يصنف المرض باعتباره مرض وراثي، لكن في حالة سالم لم يكن وراثيا، فقد أكدت الفحوصات التي أجريت لأمه ـ هذا المرض يأتي من جينات الأم ـ أنه طفرة جينية وليس وراثيا. احتاج هذا التأكيد حوالي 4 أشهر.

تقول أم سالم: أول ما سمعت بعبارة "Gower sign" بدأت البحث في الإنترنت، وعرفت عن المرض وعن الدواء الوحيد المتوفر في العالم. وسألت دكتور الجينات، وأفادني أنه تحت الدراسة، لكنه مكلف جدا. في تلك الفترة كان يُعطى فقط للأطفال دون سن 6 سنوات. لكن هيئة الدواء في أمريكا أثبتت فعاليته على الأطفال الذين تجاوزت أعمارهم 6 سنوات. تصمت أم سالم قبل أن تعود وتكمل حديثها: بدأت أسعى للحصول على الدواء بأي طريقة وطرقت باب وزارة الصحة، لكن الوزارة قالت إن الدواء ما زال تحت الدراسة ولم يتم اقراره، وتكلفته باهظة جدا. تقول أم سالم: هذا الرد قادني لوزارة التنمية الاجتماعية للبدء في إجراءات أخرى.

تعني أم سالم بالإجراءات الأخرى العمل على بناء حملة مجتمعية لجمع تبرعات للحصول على الدواء. وقد بدأت الحملة عشية أول ليلة من ليالي رمضان الجاري بعد أن حصلت على جميع الموافقات القانونية. وعندما سألت أم سالم ماذا تريدين من المجتمع؟ صمتت ثم قالت: أريد أنا يقوم المجتمع بدوره. أن يتكاتف من أجل بعضه البعض، فجمع مبلغ مليون ريال مستحيل على فرد؛ لكنه بسيط على مجتمع لو تكاتف فيه مليون شخص بدفع ريال واحد.

أطالت أم سالم الصمت قبل أن تجيب على سؤال، ما الذي يعنيه "التوقيت" في هذا العلاج؟ ولماذا لا يمكن التأجيل؟

التوقيت هو الذي يحصرنا ويخيفنا، فكل ساعة تمر تقل معها فرص جدوى العلاج. هذا النوع من العلاج الجيني يحتاج إلى سرعة وعدم تأخير حتى يستفيد منه المريض.

سألت أم سالم إذا كانت تواجه ابنها بهذه التحديات ولو على مستوى وعيه وأن علاجه ليس بالسهولة التي يمكن أن يتصورها: تقول أم سالم إن قدرات ابنها العقلية عالية جدا ويستوعب أكبر من عمره؛ ولذلك يعرف الآن أن علاجه مكلف جدا ويعلم أن عليه أن يتعاون أكثر مع من يشرف على علاجه الطبيعي. ويعلم أنه بالتعاون مع المعالج الطبيعي الذي يشرف على حالته يساعد نفسه. أصبح، أيضا، الرقم "مليون" حلم من أحلام سالم ليستطيع أن يمشي فقط!

لا تواجه أم سالم التحديات التي يعيشها ابنها فقط، لكن عليها أن تواجه تفسيرات المجتمع أيضا. أن تواجه تحليلات المجتمع في أن أصحاب هذا المرض لا يعيشون طويلا خاصة عندما يصل ضمور العضلات إلى عضلة القلب! لا تترك أم سالم مساحة لمثل هذه التحليلات أن تضعف عزيمتها وأملها في أن يشفي الله ولدها وييسر له أمره. وحتى تلك اللحظات التي تصل فيها للشعور بالضعف أو العجز سرعان تتلاشى عندما تفكر في قدرة الله وقوته وفي وقوة المجتمع الذي تنتظر أن يدعم حملتها من أجل طفلها.. من أجل أن يستعيد سالم قدرته على المشي وعلى الحياة.

شكرا لمتابعينا قراءة خبر أخبار سلطنة عمان | لماذا يمشي سالم على أطراف أصابعه؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري omandaily.om ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي omandaily.om مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

أخبار متعلقة :