أخبار سلطنة عمان | هل تنجح التشريعات الصارمة في حماية الأطفال من الانتهاكات الرقمية ؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان

أخبار سلطنة عمان | هل تنجح التشريعات الصارمة في حماية الأطفال من الانتهاكات الرقمية ؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان
أخبار سلطنة عمان | هل تنجح التشريعات الصارمة في حماية الأطفال من الانتهاكات الرقمية ؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان

هذا الخبر يأتيكم برعاية موقع عيون الجزيرة الاخباري ويتمنى لكم قضاء وقت ممتع في قراة هذا الخبر

بدأت معاناة "عائشة" بمجرد امتلاكها هاتف ذكي للتعليم والترفيه وقت الفراغ لكنه مع مرور الوقت تغير سلوكها بشكل ملحوظ ظهرت عليها نوبات خوف وقلق وإرهاق بدأت واضحة كثيرا على ملامح وجهه.. لاحقا اكتشف أنها تتابع مقاطع وأفلام رعب ومحتوى لا يناسب سنها الصغير ظهرت لها بشكل مفاجئ، ومن باب الفضول غاصت في غمار الأحداث بدون دراية بحجم المشكلة التي وقعت فيها.. هذه القصة واحدة من الكثير من القصص التي تتكرر ونسمعها ونعايشها في مجتمعنا ونحتاج فيها إلى تدخل ونظرة عميقة للوضع الحاصل خاصة مع صعوبة مجاراة التطور الرقمي عند الأطفال بدون توفير مظلة قانونية كغطاء إجباري لحماية على الأطفال وهذا الانغماس المبكر في الفضاء الافتراضي يثير تساؤلات جوهرية حول الحاجة الفعلية إلى وضع تشريعات أكثر صرامة لحماية الطفولة من المخاطر الرقمية، ومن يراقب الأطفال فعليا في منصات التواصل الاجتماعي و يؤكد خبراء الحاجة إلى تقنين وتطوير ضمانات وأدوات حماية خاصة مع الاستمرار في تطوير التشريعات وإصدار لائحة متخصصة تلزم المنصات العالمية بمعايير "الأمان حسب التصميم" وتفعيل إعدادات الخصوصية القصوى للقاصرين تلقائيًا ووضع رقابة أبوية إلزامية.

وحول هذا الجانب، تقول المحامية أمل بنت شهاب الزدجالية: السؤال الأهم ليس فقط مدى الصرامة، بل في ملاءمة التشريعات وتحديثها. وأن القوانين القائمة، مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون الطفل، توفّر حماية عامة من الاستغلال والإساءة والابتزاز، إلا أنها تكون أكثر فاعلية عند تفعيلها عمليًا من خلال التوعية، والإبلاغ، والتعاون بين الأسرة والمؤسسات المختصة، لأن النص القانوني وحده لا يكفي دون تطبيق واعٍ.

وتضيف: الإطار التشريعي الحالي في عُمان يوفّر أساسًا قانونيًا للحماية، لكن التطور المتسارع في المنصات الرقمية يفرض مراجعة مستمرة للتشريعات، بما يضمن مواكبة المخاطر المستجدة دون الإخلال بالتوازن بين الحماية والحقوق.

والتحدي الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص، بل في اتساع الفضاء الرقمي وتعدد أدواته، وأن بعض الممارسات الرقمية الحديثة، مثل الخوارزميات الإعلانية أو المحتوى العابر للحدود، تخلق مناطق قانونية رمادية تحتاج إلى مزيد من التوضيح والتنظيم مع مرور الوقت.

وعن مواكبة التشريعات الحالية سرعة تطور التكنولوجيا والمنصات الرقمية، توضح أن التشريعات بطبيعتها أكثر ثباتًا من التكنولوجيا، وهذا أمر عالمي وليس محليًا فقط. لذلك تعتمد الدول، ومنها سلطنة عُمان، على التحديث التدريجي للتشريعات، إلى جانب اللوائح التنفيذية والسياسات المكملة، لسد الفجوة بين النص القانوني والواقع الرقمي المتغيّر.

وحول حماية الأطفال من الاستغلال التجاري أو الإعلاني، تؤكد الزدجالي: القوانين العُمانية تحمي الخصوصية والبيانات الشخصية بشكل عام، وتشدد على حماية القُصّر بصورة خاصة. ومع ذلك، فإن الطبيعة العابرة للحدود لمنصات التواصل تجعل حماية البيانات مسؤولية مشتركة بين التشريع، وشركات التقنية، والأسرة، التي تُعد خط الدفاع الأول في هذا الجانب.

وعن تحميل شركات التواصل مسؤولية قانونية أكبر، تشير الزدجالية إلى أنه توجه السياسات الدولية يميل إلى تعزيز مسؤولية المنصات الرقمية، خاصة فيما يتعلق بالمحتوى الضار بالقُصّر، لذا تحميل الشركات مسؤوليات أوضح في الرقابة والإبلاغ وحماية البيانات يُعد مسارًا تنظيميًا عالميًا، يتم تبنّيه تدريجيًا بما يتناسب مع كل دولة ونظامها القانوني، وهناك العديد من الدول اتجهت إلى تشريعات متخصصة، مثل: قوانين حماية بيانات الأطفال (كالتشريعات الأوروبية والأمريكية)، وفرض قيود عمرية واضحة على المنصات، وإلزام الشركات بإعداد إعدادات افتراضية آمنة للأطفال. وقد أثبتت هذه الإجراءات فاعليتها عندما اقترنت برقابة فعلية وتوعية مجتمعية.

وتابعت: القوانين الصارمة وحدها لا تكفي، والفاعلية الحقيقية تتحقق عندما تُدعَم التشريعات بالتنفيذ الجاد، والتوعية الرقمية، وسهولة الإبلاغ، ودور الأسرة والمدرسة وبدون ذلك تبقى القوانين حبرًا على ورق مهما بلغت درجة صرامتها.

ولفتت أمل الزدجالية في ختام حديثها إلى أن حماية الأطفال في العالم الرقمي مسؤولية تكاملية، وعلى صنّاع القرار الاستمرار في تحديث الأطر القانونية بما يواكب الواقع الرقمي، مع الحفاظ على التوازن بين الحماية والحقوق، وعلى الأسر تعزيز الوعي الرقمي والحوار المفتوح مع الأبناء لا يقلان أهمية عن أي نص قانوني؛ فالتشريع يحمي، لكن الأسرة تُحصّن.

مخاطر متعددة الأبعاد

من جانبها، ترى إيمان بنت محمد السنانية محاضرة في الإعلام الرقمي بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، ومدربة في مجال الذكاء الاصطناعي أن المخاطر التي يتعرض لها الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعية مرتفعة ومتعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على المحتوى غير اللائق، بل تتعدى لتشمل مستويات وأبعاد أخرى تمتد إلى المخاطر النفسية والاجتماعية مثل الاكتئاب والقلق. ووفقا لأحدث الإحصائيات من عام( 2025-2026 )، أكدت الأرقام أن الأطفال والمراهقين الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يوميا على وسائل التواصل معرضين لخطر الإصابة بهذه المشاكل النفسية.

وتوضح السنانية أن التنمر الإلكتروني في قائمة المخاطر حيث أظهرت إحصائيات الأمان الإلكتروني لعام 2026 أن 79% من الأطفال على اليوتيوب يتعرضون للتنمر، و 96 % على السناب شات، وتؤكد تقارير اليونيسيف "الطفولة في عالم رقمي" أن الأطفال الذين يواجهون التنمر أو الاستغلال عبر الإنترنت يعانون من مستويات متقدمة من القلق وانخفاض شعور الأمان والكثير من الأفكار الانتحارية، فخوارزميات هذه البرامج تركز على زيادة التفاعل والمحافظة عليه مع عدم مراعاة للعمر أو نوع المحتوى مما يودي إلى ارتفاع خطورة هذه البرامج على الأطفال مع نقص الرقابة الأبوية.

وتشير إلى أن التحول الرقمي المتسارع فاق قدرة الأسرة والمؤسسات على حماية الطفل وخصوصا مع انتشار الذكاء الاصطناعي والأدوات الجديدة، ولكن هذا لا يعتبر شيء سلبي لأنه كشف عن مشكلة يجب علينا إيجاد الحلول لها وهي الفجوة المرتبطة بالتقنية، والتقارير العالمية توضح الحاجة إلى تقنين وتطوير ضمانات وأدوات حماية خاصة لأن أول من يتأثر هم الأطفال، بالتالي فنحن نحتاج إلى نشر الوعي الرقمي ورفع قدرة الأسر والمؤسسات التعليمية على التكيف مع هذه التطورات.

وتؤكد إلى أن القوانين الحالية غير كافية لمواجهة المخاطر الرقمية التي تستهدف الأطفال رغم التقدم الملحوظ، فهناك بعض الدول اتخذت إجراءات صارمة ومنها أستراليا التي شرعت حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما في 2025 وهو القانون الأول من نوعه عالميا، ولكن بالتأكيد هناك الكثير من التحديات في التنفيذ والفعالية.

وحول رؤيتها لنموذج تشريعي وإعلامي متكامل يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية، تقترح المحاضرة في الإعلام الرقمي فرض قانون يجبر الشركات على وضع حدود صريحة وواضحة وتلقائية في هذه البرامج مثل حظر كامل لمن هم دون 12سنة ورقابة أبوية إلزامية لمن هم أقل من17 سنة، ومنع استهدافهم بالإعلانات. ويجب استخدام خاصية التحقق الإلكتروني الدقيق من العمر وفرض غرامات على من يخالف هذه القوانين، بالإضافة إلى تطوير بعض الأدوات الرقابية التي تقوم بتنبيه الوالدين عن الأنماط السلوكية الاستباقية الخطيرة التي قد تؤثر على الطفل. إلى جانب أهمية دمج الثقافة الرقمية في المناهج الدراسية لأنه في الوقت الحالي نحتاج إلى تربية إعلامية رقمية أكثر من الحملات التوعوية ليكون الطفل ذا عقلية قادرة على التمييز بين الحقيقة، والتزييف، والمفيد، والضار.

الفضاء الافتراضي

وتشير أبرار بنت ناصر الحضرمية باحثة في المجال الاجتماعي والتربوي: بأن العالم يشهد اليوم تحولًا رقميًا متسارعًا غيَّرَ من طبيعة التواصل والتعلُّم والترفيه لدى الأطفال؛ وهذا الانغماس المبكر في الفضاء الافتراضي يثير تساؤلات جوهرية حول مدى الحاجة إلى وضع تشريعات أكثر صرامة لحماية الطفولة من المخاطر الرقمية. مشيرة إلى الآثار الاجتماعية والنفسية طويلة المدى لاستخدام الأطفال غير المنضبط لوسائل التواصل، فتقول: يعد الاستخدام غير المنضبط لوسائل التواصل سببًا في ضعف عملية التنشئة الاجتماعية، فيرى المختصون بالعلوم الاجتماعية أن الطفل يتعلم أنماطًا سلوكية من بيئة افتراضية قد لا تعكس القيم الواقعية للمجتمع مما يؤدي إلى فجوة بين ما يتعلمه في العالم الرقمي وما يتوقعه المجتمع منه، هذا ما يتسبب في تشكل هوية اجتماعية مشوشة لدى الطفل، حيث يصبح عاجزًا عن التوفيق بين القيم الرقمية التي اكتسبها من بيئة افتراضية سريعة التغير وبين القيم الواقعية التي يفرضها المجتمع والأسرة والمدرسة.

ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا التناقض إلى ضعف قدرته على بناء علاقات إنسانية متوازنة، وانخفاض مستوى التفاعل الاجتماعي المباشر، بل وإلى نشوء أنماط من العزلة أو الانسحاب الاجتماعي. إضافة إلى أن الانغماس في العالم الافتراضي قد يضعف الروابط الأسرية ويقلل من التفاعل المباشر بين الطفل وأسرته، مما يضعف دور الأسرة كحاضنة للقيم.

ومن الجانب النفسي فإن التعرض المستمر للمقارنات الاجتماعية عبر المحتوى المنشور يخلق اضطرابات في تقدير الذات، ويزيد احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب لدى الأطفال، وقد يرسخ أنماطًا إدمانية، حيث يتعود الدماغ على التحفيز السريع من الوسائط الرقمية، فيفقد الطفل القدرة على التركيز والصبر، وهو ما ينعكس سلبًا على تحصيله الدراسي ونموه المعرفي.

وحول هل القوانين تشكل رادعًا حقيقيًا أم أن التوعية أكثر تأثيرًا؟ تجيب: لم تَعُد القضية مقتصرة على المحتوى غير المناسب فحسب، بل شَهِدت السنوات الأخيرة حوادث مأساوية، أبرزها حالات انتحار مرتبطة بتحديات خطيرة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي دفع إلى إعادة النظر في طريقة تصميم هذه المنصات والتطبيقات وآليات تأثيرها على الأطفال والمراهقين.

فالإدمان الرقمي أحد أبرز مظاهر هذه التهديدات؛ إذ تعتمد العديد من التطبيقات على آليات التمرير المستمر، والمكافآت الرقمية، التي تُبقي الأطفال مرتبطين بالتطبيق لساعات طويلة.

كما أصبحت الألعاب الافتراضية المفتوحة، تحديًا إضافيًا؛ فهي فضاءات رقمية واسعة تسمح بإنشاء عوالم جديدة والتفاعل مع ملايين الأطفال دون رقابة كافية، مما يزيد احتمالات التعرُّض للمحتوى غير اللائق أو التواصل غير المنضبط مع الغرباء، ويُفتح المجال أمام سلوكيات خطرة.

هذه المخاطر لم تَعُدْ مسألة محتوى فقط؛ بل امتدَّت إلى التصميم والخصائص التقنية للتطبيقات، وهو ما دفع النظام القانوني العالمي إلى إعادة النظر في المسؤولية القانونية، وتحديد مدى التزام أصحاب المحتوى والمنصات الرقمية بحماية الأطفال من الأضرار النفسية والسلوكية. ومن هنا بدأت الدول والمنظمات الدولية تتخذ خطوات تشريعية وقضائية لحماية الأطفال، وعلى المستوى الوطني فقد بذلت سلطنة عُمان جهودًا كبرى في حماية الأطفال من المخاطر التقنية؛ فقد حرصت على إعداد سياسات حازمة بشأن حماية الأطفال من البيئة الرقمية، سواء على مستوى قانون الطفل، أو دليل سياسة حماية الأطفال على الإنترنت، فالقوانين أصبحت تمثل أداة للضبط الاجتماعي، إذ تضع حدودًا للسلوكيات وتفرض عقوبات على الانتهاكات، مما يخلق بيئة أكثر أمانًا للأطفال.

غير أن فعاليتها تعتمد على مدى التطبيق والمراقبة؛ فالقوانين قد تردع الشركات والمنصات من التهاون في حماية الأطفال، لكنها لا تستطيع مراقبة كل تفاعل فردي، بينما التوعية تُعزِّز قدرة الطفل على التمييز بين السلوكيات الآمنة والخطرة. لذلك، فمن وجهة نظرنا فإن الحل الأمثل يكمن في التكامل بين القانون والتوعية؛ فالقانون يضع الإطار الخارجي للضبط، بينما التوعية تبني الضبط الداخلي، وهو ما يحقق حماية شاملة ومستدامة للأطفال.

من ناحية أخرى، يشير علم النفس إلى أن التوعية أكثر تأثيرًا على المدى الطويل، لأنها تغرس في الطفل قناعة داخلية بضرورة الحذر، وتمنحه مهارات التفكير النقدي التي تجعله قادرًا على حماية نفسه حتى في غياب الرقابة القانونية.

الرقابة الواعية

وعن المخاطر المقلقة في المجتمع العُماني، توضح الحضرمية: تأتي أهمية تعزيز الوعي الأسري بآليات الرقابة الواعية، التي تقوم على الحوار والتوجيه لا على القمع أو التجاهل. كما أن وجود تشريعات وطنية صارمة تجرّم التنمر والاستغلال الإلكتروني، وتوفر آليات للإبلاغ والحماية، يعد ركيزة أساسية لضمان بيئة رقمية آمنة للأطفال، تحافظ على قيم المجتمع وتدعم نموهم النفسي والاجتماعي السليم.

ويشهد المجتمع العُماني في السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا لعدد من الظواهر الرقمية السلبية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على الأطفال والمراهقين، أبرزها التنمر الإلكتروني، الاستغلال الرقمي، المحتوى غير اللائق، والإدمان الرقمي.

حيث يمثل التنمر الإلكتروني أحد أخطر التحديات الاجتماعية في العصر الرقمي، إذ لا يقتصر أثره على الإيذاء النفسي المباشر، بل يتجاوز ذلك ليخلق بيئة افتراضية عدائية تُضعف ثقة الطفل بنفسه وتشوّه صورته أمام أقرانه.

أما الاستغلال الرقمي للأطفال، فهو ظاهرة أكثر تعقيدًا وخطورة، إذ يستغل بعض الأفراد أو الجهات ضعف خبرة الطفل في التعامل مع الفضاء الإلكتروني، سواء عبر الاحتيال أو استدراجه لممارسات غير آمنة.

بالإضافة إلى انتشار المحتوى غير اللائق، فهو من أبرز التحديات التي تواجه الهوية الثقافية والدينية في المجتمع العُماني؛ فتعرّض الأطفال لمواد بصرية أو نصية تتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية يخلق صراعًا داخليًا بين ما يتعلمه الطفل في بيئته الواقعية وما يراه في العالم الافتراضي. هذا التناقض قد يؤدي إلى تشوش في منظومة القيم، ويضعف الانتماء للهوية الوطنية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إدماج قيم المواطنة الرقمية في المناهج التعليمية، بحيث يتعلم الطفل كيفية التمييز بين المحتوى المفيد والضار، ويكتسب مهارات الحماية الذاتية في الفضاء الرقمي.

كما أن الإدمان الرقمي، فهو من أخطر التحديات النفسية والسلوكية التي تواجه الأطفال في سلطنة عمان، حيث يقضي بعضهم ساعات طويلة أمام الشاشات على حساب الدراسة أو الأنشطة البدنية والاجتماعية.

إضافة إلى ذلك، فإن ضعف الثقافة الرقمية لدى بعض الأسر يجعل الأطفال أكثر عرضة لهذه المخاطر، إذ قد تتراوح ممارسات الرقابة بين المنع المطلق الذي يدفع الطفل إلى البحث عن بدائل غير آمنة، أو الإهمال الكامل الذي يتركه بلا حماية.

وسألنا الباحثة هل ننتظر تفاقم المخاطر الرقمية أم نتحرك اليوم؟ فردت: من منظور علم الاجتماع، فإن الانتظار يعني السماح بتفاقم ظواهر سلبية قد يصعب السيطرة عليها لاحقًا، مثل انتشار التنمر أو ضعف الروابط الأسرية، وهو ما يهدد استقرار المجتمع على المدى الطويل. كما أن التدخل المبكر يعد أكثر فعالية، إذ يقلل من احتمالية ترسخ أنماط سلوكية غير صحية في شخصية الطفل، ويمنع تطور اضطرابات نفسية يصعب علاجها فيما بعد.

وقالت: التحرك اليوم بتشريعات صارمة يرسل رسالة واضحة بأن المجتمع يضع حماية الطفولة في صدارة أولوياته، وهو ما يعزز الثقة بين الأفراد والمؤسسات ويوجد بيئة رقمية أكثر أمانًا. والجمع بين التشريعات والتوعية يضمن حماية شاملة؛ فالقانون يردع المخاطر، بينما التوعية تبني وعيًا ذاتيًا لدى الأطفال، وهو ما يحقق توازنًا بين الضبط الخارجي والنمو الداخلي لشخصية الطفل.

فعلينا أن ندرك أن حماية الأطفال على وسائل التواصل ليست خيارًا بل ضرورة اجتماعية ونفسية. فالتشريعات الصارمة والتوعية المستمرة يشكلان معًا خط الدفاع الأول ضد المخاطر الرقمية، ويضمنان أن يعيش أطفال اليوم طفولة آمنة، ويكبرون ليكونوا أفرادًا قادرين على مواجهة تحديات المستقبل بثقة ووعي.

الهشاشة الرقمية

وعن الفئة الأكثر هشاشة رقميًا تحدثت عائشة بنت عبد الله الكلبانية باحثة اجتماعية: أن التحليلات العالمية والمحلية تظهر أن مفهوم الهشاشة الرقمية ليس موحدًا، بل هو تقاطع بين النضج البيولوجي والبيئة الاجتماعية، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن الأطفال في الفئة العمرية من 10 إلى 15 عامًا يمثلون الفئة الأكثر عرضة للمخاطر. في هذه المرحلة، يمر الدماغ بعملية إعادة هيكلة واسعة، حيث تكون مسارات المكافأة المرتبطة بالدوبامين في أوج نشاطها، بينما تظل القشرة الجبهية المسؤولة عن تقييم المخاطر في طور النمو، هذا التفاوت يجعل المراهقين فريسة سهلة لخوارزميات المنصات المصممة لتعزيز الإدمان الرقمي، مشيرة بأن سلطنة عمان تعتمد على منظومة تشمل قانون الطفل الصادر بمرسوم سلطاني رقم (22/2014) واللائحة التنفيذية لقانون الطفل العُماني الصادرة بقرار وزاري (125/2019) وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (12/2011) تلك التي وضعت من أجل توفير حماية شاملة للطفل بما في ذلك الوقاية الرقمية، حيث يتضح ذلك في المادة (56). ورغم متانة هذه النصوص، إلا أن هناك "ثغرات إجرائية"؛ فالتشريعات الحالية تركز على تجريم السلوك الفردي (عقاب بعدي) لكنها لا تفرض التزامات واضحة على "شركات المنصات" لضمان سلامة الأطفال من خلال التصميم (وقاية قبلية)، كما أنها لا تُلزم المنصات بتبني تقنيات "التحقق القوي من العمر" أو تقييد الخوارزميات التي تروج لمحتوى غير ملائم، مما يترك العبء الأكبر على عاتق ولي الأمر.

وفي هذا الإطار يجدر بالذكر جهود هيئة تقنية المعلومات (التي آلت اختصاصاتها لوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات)، التي لعبت دورًا محوريًا في رسم ملامح الحماية الرقمية بسلطنة عُمان، حيث انتقلت بجهودها من مستوى المبادرات الفردية إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي الشامل. ويعد تنظيم حلقة العمل الوطنية حول "بناء الإستراتيجية الوطنية لحماية الأطفال على الإنترنت" خطوة نوعية استهدفت إيجاد إطار عمل موحد يجمع الجوانب القانونية والتقنية والتربوية تحت مظلة واحدة. وقد توجت هذه الجهود بإصدار "الدليل الاسترشادي لحماية الأطفال على الإنترنت" عام 2021، وهو وثيقة مرجعية لواضعي السياسات ومقدمي الخدمات وأولياء الأمور. كما تم إطلاق مبادرات مثل "سفراء السلامة المعلوماتية" وموقع "ملتقى الأطفال للسلامة المعلوماتية" لتعزيز الوعي الرقمي. إن هذه الجهود تجعل من الاستراتيجية الوطنية "حجر الأساس" لأي تحديث تشريعي قادم، حيث إنها تربط بين الواقع التقني المعقد والحاجة الماسة لتوفير بيئة قانونية تحمي الطفولة العُمانية دون إعاقة نموها المعرفي الرقمي.

ضرورة وطنية

وتضيف عائشة الكلبانية: يعد فرض سن قانوني صارم من أكثر القضايا جدلاً، فعلى الصعيد العالمي يوجد توجّه لرفع السن إلى 16 عامًا، كما في أستراليا التي أقرت قانونًا يمنع من هم دون هذا السن من امتلاك حسابات، وفي المنطقة العربية أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة قانون سلامة الطفل الرقمية لعام 2025 بمتطلبات صارمة، أما على الصعيد المحلي يميل الخبراء لتأييد سن 16 عامًا كحد أدنى للوصول المستقل، نظرًا لارتباط الاستخدام المبكر بمشاكل الصحة العقلية. وتكمن الحجة الأساسية في ذلك أن الأطفال دون هذا السن لا يمتلكون النضج لإدراك عواقب ممارساتهم، ومع ذلك، يرى البعض أن الحظر المطلق قد يدفع الأطفال نحو "الإنترنت المظلم"، لذا فإن التوجه الأنجع هو الجمع بين "الصرامة التشريعية" و"التدرج التعليمي" عبر أدوات التحقق الرقمي.

ختامًا، إن مواجهة "الهشاشة الرقمية" في سلطنة عُمان تستوجب تحولاً جذريًا من المقاربات التشريعية التقليدية إلى منظومة حماية تقنية وتربوية متكاملة؛ فلا يمكن للقانون وحده ردم الفجوة ما لم يصاحبه وعي أسري يقظ وتصميم تقني يضع مصلحة الطفل فوق المكاسب التجارية، وفي ضوء ذلك نوصي الجهات المعنية بسلطنة عُمان وأولياء الأمور بالآتي: تحديث التشريعات بإصدار لائحة متخصصة تلزم المنصات العالمية بمعايير "الأمان حسب التصميم" وتفعيل إعدادات الخصوصية القصوى للقاصرين تلقائيًا. كما يجب وضع نظام وطني للتحقق وربط الحسابات بالهوية الوطنية بطريقة تضمن الخصوصية، بحيث لا يُسمح بفتح حسابات للأطفال دون إذن إلكتروني موثق من ولي الأمر. أما عن تعزيز الوالدية الرقمية يكون بإطلاق برنامج وطني لتدريب أولياء الأمور، ودمج "الأخلاقيات والذكاء الرقمي" كجزء أساسي من المنهج المدرسي. والعمل على تعزيز دور لجان حماية الطفل لتمكينها تقنيًا من التعامل مع البلاغات الإلكترونية الفورية، مشيرة إلى أن الحماية الرقمية مسؤولية تشاركية تبدأ من النص القانوني وتنتهي بالوعي الذاتي للطفل. والصرامة المطلوبة هي صرامة "النظام" في مواجهة الانفلات التقني، وليست صرامة "الحرمان" في مواجهة التطور المعرفي.

شكرا لمتابعينا قراءة خبر أخبار سلطنة عمان | هل تنجح التشريعات الصارمة في حماية الأطفال من الانتهاكات الرقمية ؟ | عيون الجزيرة الاخبارية عمان في عيون الجزيرة ونحيطكم علما بان محتوي هذا الخبر تم كتابته بواسطة محرري omandaily.om ولا يعبر اطلاقا عن وجهة نظر عيون الجزيرة وانما تم نقله بالكامل كما هو، ويمكنك قراءة الخبر من المصدر الاساسي له من الرابط التالي omandaily.om مع اطيب التحيات.

*** تنويه هام ***
موقع عيون الجزيرة لا يمت بأي صلة لشبكة الجزيرة الاخبارية او قنوات الجزيرة القطرية فنحن موقع اخباري خليجي متعدد المصادر

السابق أخبار سلطنة عمان | سلطنة عمان تشارك في المؤتمر العالمي لقطاع الحوافز في ابوظبي | عيون الجزيرة الاخبارية عمان
التالى أخبار سلطنة عمان | العُمانيون والمقيمون يستعدون لاستقبال شهر رمضان وتعزيز روح التكافل بين المجتمع | عيون الجزيرة الاخبارية عمان